منذ أن فتحت عينيها على هذه الدنيا، لم تعرف معنى البيت الدافئ، كان البيت بالنسبة لها مجرد جدران إسمنتية باردة تخلو من الأمان. كانت تستيقظ على دويّ الصراخ الذي يزلزل أركان فؤادها الصغير، وتنام وهي تطوق نفسها بذراعيها، مخبئة دموعها الحارقة تحت الوسادة، تكتم أنفاسها وتغلق فمها بطلب شديد كي لا يسمع أحد شهقاتها، فالبكاء في بيتها كان يُعد ذنباً يُعاقب عليه. كان والدها كعاصفة لا تهدأ، سريع الغضب، يفرغ خيبات حياته بنظرات قاسية وصوت يمزق هدوء المكان، بينما كانت والدتها غارقة في مستنقع مشاكلها الخاصة، باردة المشاعر، تنظر إليها وكأنها عبء ثقيل لا ترغب في تحمله. أما إخوتها وأخواتها، فكانوا يمارسون عليها أقسى أنواع التهميش؛ يسخرون من ملامحها، ومن صمتها، ويشعرونها بأنها حلقة زائدة لا تنتمي إليهم. كبرت هذه الطفلة وهي تحترق بأسئلة صامتة تمزق صدرها كل ليلة: "لماذا أنا بالذات؟" "ما الذنب الذي اقترفته ليكون قلبي منبوذاً هكذا؟" "لماذا لا يحبني أحد، رغم أنني أحمل لهم في صدري فيضاً من الحب؟" كانت ترى التمييز يُمَارس ضدها علناً؛ يوزع الحنان على الجميع وتُستثنى هي، يُشترى ال...